أحمد بن سهل البلخي
536
مصالح الأبدان والأنفس
تخافها من نفار الخيل وغيرها من الدوابّ من تماثيل صورة الأسد وغير ذلك ، وكفزع كثير من الطير من الأشباح التي تنصب لها لكي تروعها ، فلا تقرب ممّا تخاف إضرارها به ، فإنّها لو كان لها علم بماهيّة تلك الصور وتلك الأشباح ، وأنّها غير ضارّة ، لما نفرت عنها . ونرى التجارب تعمل فيها ؛ فإنّها إذا أدنيت إلى الشيء الذي تنفر منه مرارا ، ويعرض عليها حتى تعتاده وتألفه ، أذهب ذلك نفارها ، وآمن خيفتها ، حتى تدنو منه غير حافلة « 1 » به ، ولا مكترثة به . فأمّا الآفة التي تعتريها من جهة جهلها بالشيء فغير زائلة عنها ، كما تزول عن الصبيّ الصغير إذا استحكمت منه قوّة الفهم والتمييز ؛ لأنّه ليس في طباع البهيمة أن تصير من الجهل إلى العلم كما يوجد ذلك في طباع الإنسان . ففيما وصفناه ما دلّ على أنّ أبلغ الحيل في تقليل / عرض الخوف والفزع من الأشياء إنما هو استكثاره من العلم والمعرفة بالأشياء ، ثمّ بتعويده حاسّتي سمعه وبصره النظر إلى ما يهوله نظره ، وسماع ما يكره سماعه ، وحمله نفسه على مشقّة ذلك مرّات ، حتى يألفه ويعتاده ، ثمّ يقلّ بعد ذلك اكتراثه ومبالاته ، ويكون احتماله تلك المشقّة رياضة لنفسه ، كما تراض الدابّة بالحمل عليها بالسّوط ، حتى تدنو من الشيء الذي تنفر منه ، ويتكرّر عليه نظرها مرّات ، فتألفه عند ذلك ، ويذهب عنها خلق النفار وآفته .
--> ( 1 ) في أ : جافلة .